صديق الحسيني القنوجي البخاري
195
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل إن لا ليست بزائدة بل هي أصلية لنفي القسم أي لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحق في ذلك والأول أولى ، وقال البيضاوي : فلا أقسم لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم . أو فلا ، رد لإنكارهم البعث و أُقْسِمُ مستأنف ، قال الكرخي : وأما حمله على معنى نفي الإقسام لظهور الأمر فيرده تعيين المقسم به بقوله بما تبصرون الخ اه . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أي أن القرآن لتلاوة رسول كريم على اللّه فهو في غاية الكرم الذي هو البعد عن مساوىء الأخلاق ، على أن المراد بالرسول محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، أو أنه لقول يبلغه رسول كريم ، قال الحسن والكلبي ومقاتل يريد به جبريل ، دليله قوله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [ التكوير : 19 ، 20 ] وعلى كل حال فالقرآن ليس من قول محمد صلى اللّه عليه وسلم ولا من قول جبريل عليه السلام ، بل هو من قول اللّه عزّ وجلّ ، فلا بدّ من تقدير التلاوة أو التبليغ ، وفي لفظ الرسول ما يدل على ذلك فاكتفى به عن أن يقول عن اللّه تعالى . وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ كما تزعمون لأنه ليس من أصناف الشعر ولا مشابها لها والشاعر هو الذي يأتي بكلام مقفى موزون بقصد الوزن قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ أي إيمانا قليلا تؤمنون وتصديقا يسيرا تصدقون ، وقال البغوي أراد بالقليل نفي إيمانهم وتذكرهم أصلا كقولك لمن لا يزورك قلما تأتينا ، وأنت تريد لا تأتينا أصلا . وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ كما تزعمون فإن الكهانة أمر آخر لا جامع بينها وبين هذا قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قرىء بالتاء وقرىء بالياء التفاتا عن الخطاب إلى الغيبة أي تذكرا أو زمانا تتذكرون و ما زائدة في الموضعين . وذكر الإيمان مع نفي الشعر ، والتذكر مع نفي الكهانة لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بيّن لا ينكره إلا معاند كافر بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله صلى اللّه عليه وآله وسلم وتذكر معاني القرآن المنافية لطريقة الكهانة ومعاني أقوالهم ، قال أبو جهل إن محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم شاعر وقال الوليد بن المغيرة ساحر ، وقال عقبة كاهن ؛ فنزلت هذه الآية كذا قال مقاتل تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي هو تنزيل منه على لسانه . وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ قرأ الجمهور مبنيا للفاعل وقرىء مبنيا للمفعول مع رفع بعض ، وقرىء ( ولو يقول ) على صيغة المضارع ، والتقول تكلف القول وسمي الافتراء تقولا لأنه قول متكلف وكل كاذب يتكلف ما يكذبه ؛ والأقاويل جمع أقوال وهي جمع قول فهو نظير أبابيت جمع أبيات جمع بيت ، وسميت الأقوال المنقولة أقاويل تصغيرا لها وتحقيرا كقولك الأعاجيب والأضاحيك كأنها جمع أقوولة